فخر الدين الرازي
117
القضاء والقدر
أما الأول : فيدل عليه أمور : الأول : قوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 1 » ولو كان الخلق هو التقدير ، لصار معنى الكلام : إنا قدرنا كل شيء . أن الخلق هاهنا ليس هو التقدير ، فوجب أن يكون هو الإحداث ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الثاني : قوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً « 2 » والاستدلال كما تقدم . الثالث : قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ « 3 » وهذا التركيب يفيد الحصر . والخلق بمعنى التقدير غير منحصر ، فوجب أن يكون المدلول عليه بهذا الحصر ، هو الخلق . بمعنى الإحداث . الرابع : قول سلف الأمة : لا خالق إلا اللّه . وهذا الحصر لا يصح إلا إذا كان الخلق بمعنى التكوين والإحداث . وأما مجيء لفظ الخلق بمعنى التقدير . فيدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ، كَمَثَلِ آدَمَ ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ « 4 » ولا شك أن قوله : كُنْ فَيَكُونُ استعارة عن الإحداث والإيجاد . ثم إنه تعالى نصّ على أن هذا الإحداث والإيجاد متأخر عن الخلق ، فوجب أن يكون المراد من لفظ الخلق هاهنا : شيئا مغايرا للإحداث والإيجاد . فيكون هو التقدير . لأنه لا قائل بالفرق . الثاني : قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 5 » وهذا التركيب يدل على كون غيره خالقا . وقد دل الدليل على أنه لا موجد إلا اللّه ، فلا بد وأن يكون المراد من الخلق في هذه الآية : شيئا سوى الإحداث . فيكون هو التقدير . لأنه لا قائل بالفرق . الثالث : قوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ « 6 » والاستدلال كما تقدم .
--> - 7 - النطق قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي أنطقكم . 8 - خلق بمعنى ملس أو املاس ولان واستوى . 9 - خلق بمعنى بلى . والراجح أن المعنى الثالث يعود إلى الأول وكذلك الخامس والسادس والسابع . فتكون المعاني على وجه التحديد ستة . أ . ه . ( 1 ) سورة القمر الآية 49 . ( 2 ) سورة الفرقان الآية 2 . ( 3 ) سورة الحشر الآية 24 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 59 . ( 5 ) سورة المؤمنون الآية 14 . ( 6 ) سورة المائدة الآية 110 .